فخر الدين الرازي
177
تفسير الرازي
وهذا هو المختار عند أكثر المفسرين ، وروي ذلك مرفوعا ، روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : * ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) * قال : ( لا تجوروا ) وفي رواية أخرى " أن لا تميلوا " قال الواحدي رحمه الله : كلا اللفظين مروي ، وأصل العول الميل يقال : عال الميزان عولا ، إذا مال ، وعال الحاكم في حكمه إذا جار ، لأنه إذا جار فقد مال . وأنشدوا لأبي طالب . بميزان قسط لا يغل شعيرة ووزان صدق وزنه غير عائل وروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم ، فقال له : أتعول علي ، ويقال : عالت الفريضة إذا زادت سهامها ، وقد أعلتها أنا إذا أزدت في سهامها ، ومعلوم أنها إذا زادت سهامها فقد مالت عن الاعتدال فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل هذا اللفظ الميل ، ثم اختص بحسب العرف بالميل إلى الجور والظلم . فهذا هو الكلام في تقرير هذا الوجه الذي ذهب إليه الأكثرون . الوجه الثاني : قال بعضهم : المراد أن لا تفتقروا ، يقال : رجل عائل أي فقير ، وذلك لأنه إذا قل عياله قلت نفقاته ، وإذا قلت نفقاته لم يفتقر . الوجه الثالث : نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : ( ذلك أدنى أن لا تعولوا ) * معناه : ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية : أن معناه : أن لا تميلوا ولا تجوروا ، وثانيها : أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل : ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيما ، فأما تفسير * ( تعولوا ) * بتعيلوا فإنه خطأ في اللغة ، وثالثها : أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والإماء في العيال بمنزلة النساء ، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين ، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال . وزاد صاحب النظم في الطعن وجها رابعا ، وهو أنه تعالى قال في أول الآية : * ( فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) * ولم يقل أن تفتقروا ، فوجب أن يكون الجواب معطوفا على هذا الشرط ، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل ، وذلك هو الجور لا كثرة العيال . وأنا أقول : أما السؤال الأول : فهو في غاية الركاكة وذلك أنه لم ينقل عن الشافعي رحمة الله عليه أنه طعن في قول المفسرين أن معنى الآية : أن لا تجوروا ولا تميلوا ، ولكنه ذكر فيه وجها آخر ، وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين إذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها ، ولولا جواز ذلك وإلا لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في تفسير كلام الله مردودة باطلة ، ومعلوم أن ذلك لا يقوله إلا مقلد خلف ، وأيضا : فمن الذي